السيد حيدر الآملي
139
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
الفساد في الأرض وجحدوا ربوبيّته تعالى . ( قال : ) وأقامت الطائفة المطيعون لأمر اللَّه من الجنّ على رضوان اللَّه وطاعته وتجنبوا ( وباينوا ) الطائفتين من الجنّ والنسناس ( اللَّذين عتوا عن أمر اللَّه ) فحط اللَّه أجنحة الطائفة من الجنّ الَّذين عتوا عن أمر اللَّه وتمرّدوا فكانوا لا يقدرون على الطيران إلى السّماء ولا على لقاء الملائكة ، فاقعدتهم ( وإلى ملاقاة الملائكة لما ارتكبوا ) الذّنوب والمعاصي وأقامتهم عليها عن الطيران . ( قال : ) وكانت الطَّائفة المطيعة لأمر اللَّه من الجنّ تطير إلى السّماء ( اللَّيل والنّهار ) على ما كانت عليه ، وكان إبليس ( - واسمه الحارث - يظهر للملائكة أنّه من الطَّائفة المطيعة ) من الطائفة الَّذين عابوا على الطائفتين من الجنّ والنسناس المعاصين ، وكان ممّن يصعد إلى السّماء ، لا يحجب عنها لاجتهاده في الطَّاعة للَّه ولطعنه على أهل المعاصي من الجنّ والنسناس ، وكان في عداد الملائكة ، معروفا بذلك لطاعته وعبادته ، فكانوا كذلك ما شاء اللَّه . ثمّ بدا اللَّه فخلق خلقا على خلاف خلق الملائكة ، و ( على ) خلاف خلق الجنّ والنسناس ، فخلق خلقا يدبّون كما يدبّ الهوام في الأرض ، يأكلون ويشربون كما تأكل الأنعام من مراعي الأرض ، وهم ( كلَّهم ) ذكران ليس فيهم إناث ، ولم يجعل اللَّه لهم شهوة ( النساء ) ولا حبا ولا حرضا في المال ، ولا طول الأمل ، ولا لذّة عيش ، لا يلبسهم اللَّيل ولا يغشاهم النّهار ، ( وليسوا ببهائم ولا هوام ) ولباسهم ورق الشجر ، وورودهم ( وشربهم من ) العيون الغزار والأودية الكبار . ( ثمّ أراد اللَّه أن يفرّقهم ) ففرّقهم فرقتين بعد سواء ، فأسكن إحدى الفرقتين من ( فجعل فرقة ) خلف مطلع الشّمس من وراء البحر ، وكوّن لهم مدينة أنشأها لهم تسمّى « باجرشا » ( جابرسا ) طولها اثنا عشر ألف فرسخ ( في اثنى عشر ألف فرسخ ) وكوّن عليها سور حديد ( لهم سورا من حديد ) يقطع الأرض إلى السّماء ، ثمّ أسكنهم فيها . وأسكن الفرقة الأخرى من خلف مغرف الشّمس ومن وراء البحر ، وكوّن لهم مدينة أنشأها لهم تسمّى باجلقا ( جابلقا ) طولها إثنا عشر ألف فرسخ في اثنى عشر